Monday, 25 February 2013

مصر في قلبي



الأخت مارجريتا فيليبي

منذ كم سنة وصلتِ مصر؟ لماذا وقع الإختيارعلى مصر، في بلد ديانة الغالبية العُظمى إسلامية؟
وصلت مصر عام 1952 في حقبة تغيير هامة بالنسبة للبلد: طُرِد الملك فاروق وبقيادة جمال عبد الناصر والضباط أُعلِنت الجمهورية. تلى هذا سنوات الحلرب ضد إسرائيل إلى حين توقيع إتفاقية السلام عام 1979. والأحداث الأخيرة تمت في الأشهر الأخيرة.
ما هو العمل الذي أُسنِد إليكِ خلال ال59 سنة في الرسالة بمصر؟
قبل سفري إلى مصر أعددت نفسي بمتابعة كورس كورس تمريض بفيرونا حتى حصلت على دبلوم التمريض الذي بواسطته يمكنني مزاولة أي عمل في هذا المجال سواء في مختلف الأقسام أم في غرف العمليات الجراحية. ثُم أُرسِلت إلى القاهرة وعملت بمستشفى دار الشفاء بالعباسية الذي كان قد إفتُتِح منذ قليل. وكان رئيس قسم الجراحة الدكتور أورفاللي وهو جرّاح ماهر لكل الحالات. كان قد أتم دراسته في باريس وكان قد دبر الآلات اللازمة لغرف العمليات من فرنسا. وكان من السهل عليَّ التواصل معه لأنني كنت أجيد الفرنسية. في السنوات الأربعة الأولى  كنت أعمل بقسم الولادة كما ولو كان المولودون ينتظرون  الليل حتى يرون النور ولذلك اُعطيت لى مسؤولية غرفة العمليات بقيادة الدكتور أورفاللي الذي كان يجرى عمليات العظام وأيضاً قسم الولادة.
ثم إنتقلت إلى المستشفى الإيطالي كرئيسة ل43 راهبة كومبونية . قضيت في هذا المستشفى 19 عاماً. بعد ذلك إضطررت لمواجهة تغيير آخر في مجال الصحة وكان ذلك في مستشفى العجوزة الذي كان يديره الجمعية الخيرية الإسلامية  حيث لا يُسمح بدخوله إلاّ للمسلمين ماعدا الراهبات كممرضات. ولمدة ثلاثة سنوات عملت في غرفة العمليات. وكنت قد تخصصت لأكون مساعدة في غرفة العمليات وحصلت على دبلوم عمليات الجراحة.
لفي أي من المستشفيات كان لديكِ خبرة فعّالة وأيضاً غنية بالتعزيات. وكيف كنت مقبولة كراهبة كاثوليكية إطالية في بلد إسلامية؟ ما هي الشهادة التي أعطيتها كتعبير عن إيمانك؟
لقد شعرت دائماً بالإحترام والمحبة كمثل باقي الراهبات. بالطبع لم نكن نستطيع التعبير عن إيماننا بطريقة مباشرة ولكن إلتزامنا بالعمل بسخاء وبدون مصلحة شخصية نحو الجميع. ولم يغب بعض حالات إعتناق المسيحية ولكن في الخفاء. هؤلاء الأشخاص، عندما كانت تسنح لهم الفرصة، كانوا يمارسون الأسرار المقدسة سراً.
لقد قضيتِ بعض الوقت الهام بالنسبة لك في المعهد الإكليريكي للأقباط الكاثوليك. ماذا كان دورك؟
في عام 1977 أُرسلت إلى المعهد الإكليريكي للأقباط الكاثوليك  وكان عدد الإكليريكيين في ذلك الوقت 99 إكليريكياً وكان يقودهم بعض من الكهنة والأساتذة الخاصة بهم. كنت رئيسة الراهبات الكومبونيات العاملات بالمعهد وكنا نمارس التمريض والإشراف والنظافة. إننيأحتفظ بذكرى جميلة خلال الستة أعوام التي قضيتها هناك بسبب المثال والكلمة الحسنة خاصة التشجيع الذي يمكننا تقديمه للشباب. كثيراً ما كانوا يأتون إلينا ليجدوا كلمة حكيمة إجابة لتسؤلاتهم.

بعد ذلك نُقلتِ من القاهرة إلى الإسكندرية وهي مدينة يبلغ عدد سكانها اليوم ما يقرب إلى 5 مليون نسمة. أصولها يرجع إلى الإسكندر الأكبر الذي أسسها سنة 332 قبل الميلاد وكان قد أقامها عاصمة لإمبراطوريته. ترتبط الإسكندرية بأصلها منذ تاريخ إنتشار المسيحية في القرون الأولى وفيها عمل أعظم أساتذة  مسيحيِّ القرن الثالث حتى القرن السادس من الميلاد، وهنا أيضاً توجد أكبر وأقدم مكتبة في العالم. فما هو دورك الذي قمتى به في تلك المدينة؟
مارستي عملى كممرضة في المستشفى القبطي وهناك كنا نقدم الخدمات اللازمة للمرضى خاصة  المرضى الفقراء بأمراض خطيرة مثل العمليات الجراحية المختلفة وبعد ذلك طُلِب من العمل في ملجأ المسنين بالإسكندرية "فيتّوريو إمانويلى " ملك إيطاليا وهناك كنا نستقبل المسنين الذين أهملتهم عائلاتهم سواء كانوا إيطاليين أم من جنسيات مختلفة. كان يُخيَّل إليّ كما ولو كانوا يأتون إلينا كي ينالوا الفردوس، كثير منهم كانوا بعيدين عن الله والبعض لا دين لهم وبعد 30 أو 40 سنة إكتشفوا الإيمان بالإله الرحيم والأمين. ويوماً ما أخبرتنا إحدى الراهبات الكومبونيات وهي طبيبة بأنها رأت الكثير من المرضى يتركون هذا العالم وقد قبلوا الأسرار المقدسة كالعماد والتوبة والتناول ومسحة المرضى. إنها لفرح عظيم لأننا ساعدنا إخوة وأخوات لعبور هذه الحياة الأرضية نحو الحياة الأبدية. ومازلت أتذكر ي قلبي كلمات الثقة والشكر التي كانت تخرج منهم.
أريد أن أخبركم بحدث لا يمكنني أن أنساه. في يوم من أيام زمن الفصح، أتى إلى المستشفى رجل عمره 75 عاماً وأخبرنا بأنه لاينتمي لأي ديانة ولكنه طلب أن يموت كاثوليكياً. وبحرص شديد أعددناه لقبول سر المعمودية التي نالها بعد ذلك بتقوى عميقة. وطلب أن يُدفن في المقابر الكاثوليكية. لم نستطع تحقيق رغبته هذه . ثم أتي أحد الشيوخ وأخذه ودفنه ولكنني رافقته إلى القبر وأنا أصلي في الصمت لأجله.
في عام 1976 رجعتِ إلى القاهرة .
نعم، ذهبت إلى مركز يديره كاريتاس بالعمرانية في محافظة الجيزة وإتسعت دائرة عملي لتشمل ليس فقط مجال التمريض، بل لسد إحتياجات الناس الكثيرة. يأتي إلى هذه المؤسسة  حشد كبير منا الناس من مختلف الأعمار، كباراً وصغاراً. كنا نهتم بالأطفال من سن ثلاثة أشهر حتى ستة سنوات. في مجال الصحة كان يعمل معنا ستة أطباء. كنا نختم أيضاً بتنمية المرأة خاصة تكوينها من خلال فصول محو الأمية والخياطة والتفصيل والتريكو بمساعدة أناس متخصصين في هذا المجال. مكثت هناك ستة سنوات.بعد ذلك ذهبت إلى الدقي للعمل هناك لمدة سنتين إلى أن أتيت إلى الزمالك مكان وجودي الآن.
والآن عمرك 85 سنة ألم يحن الوقت للراحة؟ يمكنك أن تعيشي في راحة في إحدى الجماعات هناك، ولكن رجعتي إلى مصر. لماذا؟
بعد 59 سنة قضيتها على هذه الأرض. مصر هي منزلي، لاينقصني أي شيء لمستقبلي. يمكنني أن أكون مفيدة إذ مازال عقلي سليم وصحتي تساعدني. هنا في مصر توجد أماكن للراحة وتوجد أيضاً القبور. ماذا أطلب أكثر من هذا؟

No comments:

Post a Comment